عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
27
معارج التفكر ودقائق التدبر
دفع توهّماتهم الأخرى ، فمن ذلك ما سيأتي في سورة ( ق ) ومنه ما سيأتي في غيرها ممّا نزل بعدها في نجوم التنزيل ، مراعاة لمعالجة ما هو ماثل في تصوّرات المعالجين إبّان نزول النجم القرآنيّ ، وعملا بالسّنّة القرآنيّة في تجزئة الموضوعات وبثّها في السّور ، مع التكامل البديع فيما بينها ، وهذا أحد عناصر إعجاز القرآن ، مع ما في التجزئة من حكمة التدرّج التعليمي ، والتكليفي ، والتربويّ . ونلاحظ هنا في هذا الدرس أنّه قد اشتمل على دفع توهّم من توهّمات المنكرين للبعث ، دون ذكر لهذا التوهّم ، لأنّ دفع التوهّم يشعر بوجوده في خواطر المنكرين وأحاديث نفوسهم ، سواء عبّروا عنه بأقوالهم أم لم يعبّروا ، وهذا من بديع الإعجاز في القرآن الكريم . ونجد نظيره في الإجابة على سؤال غير مذكور في اللفظ ، وفي حلّ إشكال غير مذكور في اللّفظ أيضا ، إلّا أن الموضوع يستدعي ذلك ، فمن الجليّ في أساليب القرآن المجيد الرائعة ، التي يدركها المتدبّر اللّمّاح أنّ النّصّ القرآنيّ قد يدفع توهّما ، أو يحلّ إشكالا ، أو يجيب على سؤال ، دون ذكر الشيء الذي يعالجه النّص ، إيجازا في العبارة ، واكتفاء بدلالة المعالجة عن ذكر الداعي إليها ، واعتمادا على ذكاء أهل التّدبّر الأكفاء . فمن التوهّمات الّتي تفسد تصوّرات المشركين حول موضوع البعث إلى الحياة بعد الموت وفناء الأجساد ، وتفرّق ذرّاتها في تراب الأرض ، توهّمهم أنّ اللّه عزّ وجلّ ليس لديه علم كامل بكلّ ذرّات أجساد الموتى ، وبكلّ صفاتهم النفسيّة والفكريّة والجسديّة ، حتّى يعيدهم إلى مثل ما كانوا عليه تماما ، فجاء البيان القرآنيّ في هذا الدّرس دافعا لهذا التوهم الباطل ، فقال اللّه عزّ وجلّ : قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ ( 4 ) .